لماذا أطلقت بريطانيا قناة تلفزيونية عربية؟؟

لماذا أطلقت بريطانيا قناة تلفزيونية عربية؟
محمد عارف: الإتحاد الإماراتية 20/3/2008
“من، ماذا، متى، كيف، ولماذا؟”… خمسة أسئلة صحفية تقليدية قد تساعدنا في التعرف على قناة التلفزيون “بي بي سي” العربية، التي بدأت بثها الأسبوع الماضي. ويبدو “كيف؟” أهم سؤال في الإعلام الحديث، الذي يعتبر “الوسيط هو الرسالة”، كما يقول فيلسوف الإعلام “مارشال ماكلوهن”. الجواب عن “كيف؟” هو باختصار: “حمدان الساحر”.
و”حمدان الساحر” إذاعي ومطرب عراقي ريفي عمل في إذاعة الكويت عند تأسيسها عام 1951. وكان “الساحر” يفتتح البث الإذاعي يومياً بالصفير بفمه لعدم وجود بلبل آلي، كبلبل إذاعة بغداد، الذي كان يستهل بصفيره البرامج اليومية. وبعد صفير البلبل يتلو “الساحر” آيات من الذكر الحكيم، ثم يقرأ نشرة الأخبار اليومية، يتناول بعدها العود وينشد أغنيته المشهورة: “جينا لبابكم يا أحباب جينا…”.
وإذا كان العراقيون يتندّرون بحكاية “حمدان الساحر”، فإن “بي بي سي” جادة في المراهنة على شبيهه “ثلاثي الوسائط”. وينتج “ثلاثي الوسائط” trimedial في آن واحد نصوصاً كتابية وإذاعية وتلفزيونية، ويجمع بين مهارات البحث والكتابة والتحرير والتصوير والإنتاج الإذاعي والتلفزيوني. أتاحت ذلك ثورة “التكنولوجيا الرقمية” في البث الإذاعي والتلفزيوني، وهي كما يدل اسمها تحول جميع أنواع المعطيات المكتوبة والسمعية والبصرية إلى أرقام يمكن إرسالها كذبذبات وموجات إلكترونية، وتداولها سلكياً أو لاسلكياً.
و”بي بي سي” العربية رائدة في هذا المجال، حيث أنتجت عام 1998 صحيفة “أونلاين” عربية متعددة الوسائط. تعني “أونلاين” online الاتصال المباشر بشبكة “الإنترنت”، واستخدامها كوسيط لبث الصحيفة إلى أجهزة الكومبيوتر في أي مكان من العالم. وحقق “أونلاين بي بي سي” نجاحات مرموقة، حيث يستخدمه الآن شهرياً أكثر من مليون شخص، ومن أهم إنجازاته تحرير إذاعة “بي بي سي” العربية من قيود أمواج البث التقليدية، ومضاعفة جمهورها إلى 13 مليون مستمع حول العالم. ويرأس حسام السكري، مدير “أونلاين” السابق، شبكة “بي بي سي” العربية التي تضم الإذاعة و”أونلاين” والتلفزيون وخدمات الإنترنت والهاتف النقال.
والفضائية العربية الجديدة هي أول قناة تلفزيونية بلغة أجنبية تطلقها “بي بي سي”، التي تُعتبر واحدة من أكبر الإمبراطوريات الإعلامية في العالم، ويعادل دخلها السنوي نحو سبعة مليارات دولار. المصدر الرئيسي للدخل اشتراكات الجمهور البريطاني في خدمات التلفزيون. ويعمل في “بي بي سي” 23 ألف موظف، يحققون أرقاماً قياسية عالمية في إنتاج وبث الأخبار والتقارير والبرامج الوثائقية والمسلسلات الفنية والترفيهية. وإلى جانب عملها الأصلي كهيئة إذاعة وتلفزيون، قامت “بي بي سي” خلال 75 عاماً من عمرها بوظائف متعددة كصحيفة يومية، وناشر للكتب والمجلات، ومجلس فنون، وجامعة، وناد رياضي، ودار سينما، و”حانة السهارى”.
أنشئت “بي بي سي” الإنجليزية عام 1932، وأنشأت بدورها بعد خمس سنوات “بي بي سي” العربية، التي تموّلها وزارة الخارجية البريطانية، وتنفق حالياً نحو 50 مليون دولار لتغطية الموازنة السنوية للفضائية الجديدة. وهذه نقطة ضعف تلفزيون “بي بي سي” العربي. إنه ممول من قبل حكومة متورطة في جريمة احتلال العراق. ويصعب تصديق توقعات الخبراء في أن ينافس تلفزيون “الجزيرة”، ليس لأن “الجزيرة” تنفق أضعاف ما ينفق عليه، بل لأنها تلعب خارج قوانين الإعلام الدولي. وإمبراطورية “بي بي سي” من أبرز صانعي وضحايا هذه القوانين.
في الإعلام، كما تدل تجربة “الجزيرة”، ينبغي أن نتوقع اللامتوقع. وتراهن الأوساط الإعلامية البريطانية في تغيير قواعد اللعبة على “ثلاثي الوسائط” الذي يبدو كتعويذة من “العام المرعب”. ففي عام 2007 سرّحت إمبراطورية “بي بي سي” ألفي موظف، وألغت نحو 10 في المائة من البرامج، ووقعت فضائح تحريف تسجيلات تلفزيونية للمملكة، وتلفيق استقصاءات تلفزيونية، واكتشاف “الثقب الأسود”، وهو الاسم الذي يطلق على عجز مالي يعادل نحو 4 مليارات دولار.
وإذا كانت فضائية “بي بي سي” العربية بعيدة عن هذه الفضائح، وتقف مالياً خارج “الثقب الأسود”، فهل هي خارج الأزمة “الوجودية” لإمبراطورية “بي بي سي” التي فقدت الإيمان برسالتها الأصلية؟ اعترف بذلك “جيرمي باكسمان” الذي يعدّ أبرز مقدمي الأخبار في “بي بي سي”. وقال “باكسمان” خلال محاضرة في مهرجان الفنون في ادنبره: “لا أحد من أفراد الطبقة الإعلامية الحاكمة، يملك أي فكرة عما يحمله المستقبل… ويرى كثير منهم أن وظيفة التلفزيون هي صنع المال”. ولا يجد “باكسمان” وسيلة لملء “الثقب” واستعادة الجمهور غير الجنس، وعرض مباذل نجوم المجتمع. باستثناء ذلك لاشيء “سوى القيام بكثير من الضجيج. وهذا كل ما تفعله قنوات التلفزيون”!
تعكس تقديرات “باكسمان” الكئيبة مزاج أقسام الأخبار التي تلعب دور “المايسترو” في إمبراطوريات الإعلام الدولية. وقد فقد “المايسترو” في العراق عصاه السحرية. ذلك ما اكتشفه الصحفي والباحث الإعلامي “نيك ديفيز” من خلال متابعة صناعة أكبر أكذوبة في تاريخ الإعلام الدولي، وهي “أسلحة الدمار الشامل العراقية”. يصف “ديفيز” في كتابه “أخبار الأرض المسطّحة” (Flat Earth News) ذلك “القفص المهني” الذي يشوه عمل الإعلاميين ويدّمر أرواحهم. عنوان الكتاب تورية ساخرة عن اعتقاد القرون الوسطى أن الأرض مسطحة وليست كروية. وهذا هو واقع الحال في الإعلام العالمي الذي يعتمد كلية تقريباً على وكالتي “أسوشيتد بريس” و”رويترز” اللتين لعبتا الدور الرئيسي في نشر أكذوبة “الأسلحة العراقية”.
استقصاءات “ديفيز” انتهت به إلى الاعتراف بأنه يعمل في “مهنة فاسدة”. وهو يدرك أنه ينتهك باعترافه أحد أهم قوانين الإعلام العالمي، الذي يقضي بأن “الكلاب لا تأكل الكلاب”. هل يفسر هذا لماذا لم تعتذر لحد الآن أيّ من الصحف أو الإذاعات والقنوات التلفزيونية العالمية، بما فيها “بي بي سي”، عن دورها في صناعة أسطورة “أسلحة الدمار الشامل العراقية” التي لا وجود لها؟
المهم في الإعلام ليس ما يقال بل ما لا يقال. وأسباب فساد المهنة ليست سياسية بالدرجة الأولى، بل فنية حسب الباحث البريطاني. فأيدي الإعلاميين مقيّدة بمواعيد ضيقة محددة للبث والنشر، بينما يحتاج البحث عن الحقيقة إلى فسحة من الوقت لاستجلاء المعلومات وتمحيص الوقائع. هل يملك تلفزيون “بي بي سي” العربي الوقت الكافي لفتح الملفات العربية، ليس في العواصم العربية فقط، بل في لندن أيضاً؟ هذا هو الرهان الحقيقي والباقي مجرد “ضجيج”.
وفي الإعلام، كما في الحياة، هناك قانون لا يخطئ تذكره حكمة يرددها العراقيون منذ عصر السومريين قبل خمسة آلاف عام: “ما يصدر عن القلب يعرفه القلب”. وقلوب العرب مكانها في العقول بعد عام 2003. ماذا يستطيع أن يفعل إزاء ذلك “ثلاثي الوسائط” سوى أن يقطع الإعلامي ثلاثة أجزاء… جزء يكتب النص، الذي يقرأه مقدم الأخبار، وآخر يُصّور مشاهد الحدث، التي تعرضها الشاشة، والثالث يردد أغنية “حمدان الساحر”: “جينا لبابكم يا أحباب جينا… ولا واحد من الدار حَنْ علينا.. تشوفونا وتصّدون. ظِلاّم ما ترحمون. انجان انتو نسيتوا.. إحنا ما نسينا”!

There are no comments on this post.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: